استكمالا لما سبق عرضه من رأي حول بعض مواد مشروع قانون الأسرة وما أصابها من عوار وآثار سلبية تظهر بعد التطبيق أو عند التفسير والتأويل والذي قد يؤدي أيضًا إلى تعطيل سير الدعاوي في المحاكم وآثارًا أخرى اجتماعية تلحق بالمجتمع أضرارًا أكثر من الجوانب الإيجابية. فماذا قال مشروع قانون الاسرة بالمادة (33) والتي جاء نصها (لكل من الزوجين ذمته المالية المستقلة، ويجوز للزوجين في إطار إدارة الأموال التي تكتسب حال قيام الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها ضمن شروط ملحق عقد الزواج أو إشهاد الطلاق -بحسب الأحوال- أو في مستند مستقل عن العقد إذا تم الاتفاق بعد إبرام عقد الزواج على ذلك إن كانت الأموال مشتركة. كما يحق لأي منهما المطالبة بمقابل ما تحمله من أعباء ساهمت في تنمية أموال زوجه شريطة ألا تكون هذه الأعباء من مقتضيات عقد الزواج، ويسقط هذا الحق إذا لم يتم المطالبة به خلال عام من تاريخ الوفاة أو الطلاق أو التفريق.) وهنا أقول : أنه يتضح من ظاهر النص عند قراءته والذي يبدو منصفًا للعلاقة المالية بين الزوجين وبما يتعلق بالأموال التي تكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية والحفاظ على حقوق كلا منهما بأن تدون بوثيقة في عقد الزواج والجزء الثاني من النص يمنح أي من الزوجين أن يطالب الآخر بمقابل ما بذله من جهد وتحمله من متاعب لقاء تنمية أموال زوجه وهنا يكمن الابتلاء الذي يفسد العلاقة الزوجية بل ويجعل كلا من الزوجين بالمرصاد للآخر فإذا اجتهد الزوج في بناء مستقبل الأسرة وتأمين وتحسين وضعها المادي تقول له الزوجة أنا السبب في ذلك ويجب أن اتقاضي جزء أو نسبة من هذا المال أو هذه الثروة مقابل حياتي معك أو كوني زوجة لك وكأن الزوجة هنا كل علاقاتها بزوجها علاقة مادية بحتيه لا يدخل فيها عنصر الرحمة والمودة والتعاون معًا في سبيل نجاح كيان هذه الأسرة أو الارتقاء بها لتصبح هذه العلاقة قائمة على حصر إنجازات الطرف الآخر وما حققه من نجاح، أليس الزوج مسؤولا ًعن الانفاق على زوجته بكل ما تقتضيه مطالب حياتها من توفير السكن والحياة الكريمة والتي لا مجال هنا لحصرها وكلما زاد مال الزوج وحقق نجاحاً مادياً يرتفع معها مستوي حياة الزوجة والاسرة كلها ؟ فاذا تقاضت الزوجة مقابل عناءها في حياتها الزوجية فهل العناء مقتصر عليها بمفردها أم أن الزوج ايضاً يعاني ويكافح ؟ وأيضًا إذا اجتهدت الزوجة في حياتها العملية أو المهنية يدعي الزوج أنه كان سببًا في هذا النجاح، وأنه يحق له جزء من هذا النجاح، وكلما يتقدم أحد الزوجين في مجاله يطالبه الآخر بمقابل في هذا التقدم أو ينسبه إلى نفسه وكأنه هو السبب فيه.
فأي قانون هذا الذي يقضي على المعنى الإنساني الراقي في العلاقة الزوجية ويهدم معاني المودة والرحمة؟؟ أي قانون هذا الذي يجعل الحياة الزوجية مادية بحتة قائمة على المحاسبة المادية!!!؟ إن هذا النص كافٍ بأن يدمر العلاقة الزوجية ويجرد الزوجين من المحبة والمودة والسعادة والعشرة بالمعروف. لقد كرم الله سبحانه وتعالى رباط الزوجية وجعل عقد الزواج من العقود التي لها قدسية عظيمة قال تعالى "وأخذن منكم ميثاقاً غليظا" سورة النساء 21 وقال " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" سورة الروم 21 فأين الميثاق العظيم والمودة والرحمة بين الأزواج في نص تلك المادة ذلك عقد الزواج يتعلق بأهم نواة في المجتمع وهي الاسرة وكرم الله الزوجة أيضاً وأوجب على الزوج حسن العشرة والإنفاق الكامل عليها وألا يسألها عن مالها ودخلها وما تحققه لنفسها من نجاح مهني أو مالي ولها ذمتها المالية المستقلة. وليس للزوج أن يتدخل في هذا الأمر أو حتى يسأل عنه.
بهذا النص يصبح كل من الزوجين محاسبًا للآخر عما حققه من نجاحات ومكاسب مالية أثناء حياتهما الزوجية مطالبًا كلا منهما الآخر بحقه في النجاح. والواقع ولتحديد كيفية إدارة المعاملات المالية من الزوجين بشكل قانوني سليم أنه إذا كان الزوجين شركاء في أي استثمار أو مشروع تجاري وكلاً منهما ساهم بحصة مالية أو عينية أو بجهده وخبرته فهنا يتم تأسيس شركة بينهما تحدد فيها نسبة كل منهما بعدد حصص ينفقان عليها ويحكم هذه العلاقة أحكام قانون الشركات التجارية وقانون الاستثمار. كشركاء في شركة ذات شخصية اعتبارية مستقلة عن شخصيتهما كأزواج وهنا لا بأس من تحديد نوعية هذه العلاقة المالية ولا تسبب حرجا لأي من الزوجين أو تؤثر سلباً على حياتهما الزوجية ...أما في حالة أن أقرض أحد الزوجين الآخر مبلغًا من المال ليبدئ به تجارته مثلاً فهنا يجوز أن يحرر عقد قرض بينهما يتفقان فيه على مدته وطريقة سداده وما إذا كان يستحق تعويضا عن التأخير وهو أمر مقبول جدا، بل ويمنع الخلافات الزوجية سواء حال حياتهما أو عند الفرقة بينهما.
واما عن الجزء الثاني من النص والذي يحمل في طياته معاني تدعو إلى كثرة الخلافات بين الزوجين خاصة وأنه نص مجهول ومبهم ويكون قد ترك التفسير والتأويل لكل زوج على حدة وفق فهمه للنص وأيضًا ترك فيه الاجتهاد للقاضي والمحامي وهو نص يحتمل الخلاف نظرًا لأنه لم يحدد ما هو لقاء العناء الذي قابله أي من الزوجين في سبيل تنمية أموال الزوج الآخر فكيف يقدر ذلك الجهد والعناء؟ وهذا الامر لا يمكن حسمه أو احتسابه أو تحديد قيمته ، فهل يتحول كلا الزوجين الى موظفاً لدي الطرف الآخر ليطالب بأجره أو مكافاته عما حققه الطرف الآخر ؟؟ وماذا لو خسر أحد الزوجين كل ما يملك فما هو موقف الطرف الآخر ؟؟ هل يعني ذلك أنه قد أخل بواجباته وأنه تسبب في خسارة مالية لشريك حياته أم انه يجب أن يشاركه مادياً في تلك الخسارة إنه نص لا يتفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية وما خصته من قواعد عادلة لبناء الأسرة السوية الناضجة فقد يؤدي إلى أن يتوقف الزوج عن الإنفاق على زوجته بحجة أنها لها دخل مادي من عملها أو تجارتها ويدعي أنه قد تحمل عناء نجاحها وبالتالي لا ينفق عليها ويحاسبها وهنا تكون قد هدمت أهم قاعدة شرعية وهي واجب النفقة على الزوجة وعلى المشرع المصري أن يحذف الجزء الثاني من نص المادة ويقنن الجزء الأول منها.
بقلم: د. منى طه عامر
أستاذ القانون المدني
المحكم الدولي
المحامية بالنقض